الخميس، 8 مارس، 2012

لوس أنجلوس تايمز : المخابرات الأمريكية وراء التمويل المشبوه للجمعيات والمنظمات الحقوقية

 
تحت عنوان: "لماذا لا تثق فينا مصر؟" نشرت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الأمريكية مقالا للكاتب "ستانلى ميسلر".

وأكد الكاتب أن المنظمات والجمعيات الأهلية الممولة من أمريكا والعاملة فى مجال دعم الديمقراطية لديها تاريخ طويل من المشاكل. وأضاف أنه رغم التحفظات الأمريكية والغضب مما حدث للأمريكيين العاملين فى هذه المنظمات فى مصر، والأزمة التى انتهت تقريبا بوصول الأمريكيين السبعة الممنوعين من السفر، لاتهامهم فيما أطلق عليه قضية التمويل الأجنبى، إلى الأراضى الأمريكية، إلا أن حسابات العقل وليس العاطفة تجعلنا – والكلام للكاتب - نفكر فيما حدث. فالحقيقة أن مصر لديها الحق فى شكوكها تجاه هذه المنظمات. فالمحاولات الأمريكية لدعم الديمقراطية حول العالم تتم من خلال منظمات خاصة غالبا ما تكون نشأتها تافهة، وأحيانا يكون لديها سجل من المشاكل. وأشار الكاتب إلى أن الفكرة الأمريكية فى ذلك تنبع من رؤية قديمة فقدت مصداقيتها لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سى آى إيه". فقد أسست الوكالة فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى مؤسسات زائفة هدفها نقل الأموال من الوكالة لمجموعات خاصة تناهض الشيوعية. ومن بين هذه المؤسسات منظمة "إيه إف إل- سى آى أو" و"ناشيونال ستيودانت اسان" ومجلة "انكوننتر" فى لندن ومجلة "ترانزيشن" فى أفريقيا.
ولم تفصح هذه المنظمات والجمعيات أنها تعمل مع وكالة المخابرات الأمريكية أو تحصل على مساعدات منها، وعندما نشرت مجلة "رامبارتس" وغيرها من الدوريات الأمريكية أسرار هذه العمليات، كان هناك حرج كبير للمسئولين الأمريكيين، واضطر الرئيس "ليندون جونسون" لوقف هذه التمويلات فى وكالة المخابرات المركزية. إلا أن أعضاء فى الكونجرس أدركوا أن المشكلة الرئيسية فى هذه البرنامج هى علاقته بوكالة المخابرات المركزية. ورأوا أن قطع هذه العلاقة وجعل الأمر مكشوفا للعيان سيحل المشكلة، وستنجح محاولات كسب العقول والقلوب فى الخارج تجاه أمريكا والأمريكيين. وفى ثمانينيات القرن الماضى، وفى عهد الرئيس "رونالد ريجان" أسس الكونجرس ما يسمى بـ"المنحة الوطنية للديمقراطية" لتحل محل برنامج المخابرات المركزية. ووفقا لقانون المنحة، تم تقسيم الأموال بين أربعة معاهد جديدة تم إنشاؤها لرعاية برامج الديمقراطية فى أنحاء العالم، وكانت المعاهد الأربعة تدار بمعرفة الحزب الجمهورى والحزب الديمقراطى ومنظمة "إيه إف إل-سى آى أو" وغرفة التجارة الأمريكية.
وكان من المفترض أن يكون الهم الأكبر لهذه المعاهد هو نشر الديمقراطية فى بلدان العالم، إلا أن ذلك لم يحدث وانحرف الهدف والدليل أن معهد "إيه إف إل-سى آى أو" حصل على 1,5مليون دولار لبرنامج فى فرنسا، رغم أن فرنسا دولة ديمقراطية، ولكن الهدف أنها حليفة للولايات المتحدة الأمريكية، والمؤسف أن وكالة المنحة الوطنية لن تعلن عن هذه التمويلات, بل إن الأموال تم تسليمها لشخص يدعى "ارفينج براون" يبلغ من العمر 74 عاما سبق له العمل مع وكالة المخابرات المركزية بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بهدف المساعدة فى منع الشيوعيين من السيطرة على الاتحادات العمالية الكبرى فى فرنسا. وقام "براون" بالفعل بمنح الجزء الأكبر من الأموال إلى "فورس افويريرى" وهو اتحاد عمال مناهض للشيوعيين ، كما قام بمنح مجموعة طلاب من الجناح اليمينى 575 الف دولار بهدف ملء شوارع باريس بمنشورات وملصقات تهاجم "فرانسوا ميتران" الرئيس الاشتراكى الفرنسى آنذاك. فمن وجهة نظر "براون"، كانت فرنسا فى خطر، لأن الحزب الشيوعى الذى حصد 10% من أصوات الناخبين فى فرنسا آنذاك دعم "ميتران". فقد قال للصحيفة "لقد دافعنا عن الديمقراطية فرنسا".
وعندما فضحت صحيفة "باريس" دور "براون" فى الحملة على "ميتران"، خرجت السفارة الامريكية فى فرنسا لتعلن عن استحياء ان البرنامج لا يمت للحكومة بصلة، رغم ان الاموال جاءت من الحكومة الامريكية. ومنذ ذلك الوقت بدأت الاتهامات تتوالى من دول كثيرة مثل "بنما" و"نيكارجوا" و"شيلى" و"كوستاريكا" و"تشيكوسلوفاكيا"، بالتدخل الامريكى فى العمليات الانتخابية فى تلك البلدان. ومع ذلك ظلت وكالة المنحة الوطنية للديمقراطية صامدة أمام كل الاتهامات والمواقف المحرجة، ولازالت تحظى بدعم الحزبين الجمهورى والديمقراطى، بل إن الكونجرس أقر 118 مليون دولار كميزانية لهذه الوكالة فى عام 2012. وفيما يخص الأزمة مع مصر، فإن المنظمات الأمريكية الأربع التى أثيرت حولها الأزمة تعمل من خلال وكالة المنحة الوطنية لليمقراطية التابعة للكونجرس، واثنان منهما تابعان للحزبين الجمهورى والديمقراطى وهما المعهد الجمهورى الدولى والمعهد الديمقراطى الوطنى والمنظمتين الأخريين هما "فريدوم هاوس" و"المركز الدولى  للصحفيين". وقال  الكاتب إن تاريخ وكالة المنحة الوطنية للديمقراطية لم يكن معروفا لوزيرة التخطيط والتعاون الدولى فى مصر "فايزا أبو النجا" التى قادت الحملة ضد هذه المنظمات.
وأضاف أن "أبو النجا"، ذات التاريخ الدبلوماسى، حيث قضت خمس سنوات فى نيويورك فى تسعينيات القرن الماضى كمستشارة للدكتور "بطرس غالى" أمين عام الأمم المتحدة آنذاك لم يكن لديها الوقت ولا الظروف التى تجعلها تتطلع على الديمقراطية الامريكية الحقيقية. وقال الكاتب، ساخرا، إن الديمقراطية الأمريكية هى التى جعلت ادارة الرئيس الامريكى الاسبق "بيل كلينتون" تستخدم "بطرس غالى" ككبش فداء عندما ادت السياسة الامريكية المسيطرة على الامم المتحدة الى مقتل 18 جنديا امريكيا فى الصومال عام 1993، والقت ادارة "كلينتون" باللوم على "غالى" ، رغم ان الجنود كانوا يعملون تحت قيادة امريكية وليس تحت مظلة الامم المتحدة، وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية عام 1996، سخر المرشح الجمهورى "بوب دول" من اسم "بطرس غالى" وقلل من شأن الامم المتحدة عندما نطق اسم "غالى" قائلا " "بوووووووووووووترس ، بوووووووووووووووترس – غالى"! . كما انه خلال عملية التصويت على اعادة انتخاب "غالى" امينا عاما للامم المتحدة، صوتت "ماديلن اولبرايت" السفيرة الامريكية فى مجلس الامن ، ومن قبل وزيرة الخارجية، ضد "غالى" رغم إجماع بقية اعضاء المجلس عليه. وقالت الصحيفة إن المعهد الوطنى الديمقراطى الذى كانت ترأس مجلس ادارته "اولبرايت"، ربما لم يكن على وفاق مع "ابو النجا". وختمت الصحيفة بأنه من غير المعروف اسباب غضب المسئولين المصريين من الانشطة الامريكية التى تمارسها المنظمات، وتقول انها شرعية ومسجلة، الا ان الامر يتطلب اعادة تقييم شامل لعمل هذه المنظمات ، فقد آن الاوان ان تقوم الادارة الامريكية باعادة النظر فى المنظومة برمتها وعملية التمويل . فهناك حالة من الغرور الامريكى الذى يفترض ان الجميع فى أنحاء العالم يجب ان يستفيدوا من محاكاة النظام السياسى الامريكى. فى الحقيقة ، ان النصائح لاصدقاء امريكا فيما يخص متطلباتهم السياسية ، أصبح أمرا بالغ الحساسية ، وليس بالضرورة ان يقدر الكل تدخلات امريكا فى شئونهم ، ولا يجب ان تكون تلك المنظمات التى تمول من الحكومة الامريكية موجودة فى اماكن يرغب اصحابها فى عدم تواجدها ،كما هو الحال فى مصر، بل يجب ان تتواجد اينما ترغب البلدان فى تواجدها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق